السيد كمال الحيدري

332

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

في ضوء ذلك ، فله القدرة على كتم إيمانه ، كما له القدرة على التصريح بذلك . بعبارة أُخرى : يُمكننا أن نُوقف التصرّفات في ضوئهما ، فالذي تبغضه يُمكنك أن تكون منصفاً معه ، والذي تُحبّه يُمكنك معاقبته عند صدور تقصير منه ، رغم أنك تكره إيذاءه ، ولكنَّ التصرّف في ضوئهما شيء وأصل انعقادهما شيء آخر ، ولذلك لم يُكلَّف الزوج بالعدالة القلبية بين زوجاته ، فذلك أمر غير ممكن ، وإنما كُلِّف بالعدالة الاجتماعية بينهنّ في الزيارة والنفقة ، بل إنَّ الأب لا يستطيع أن يعدل بين أولاده في المحبّة ، فيُقرِّب بعضاً ويُؤخِّر آخر ، ولكنه يُمكنه أن ينصف بينهم في الرعاية وعدم إظهار تقديم مودّة أحدهم على الآخر ، ومن حسن صنيعه سبحانه في خلقه أنه في مجموع هذه الأُمور الاجتماعية جعل الفعل الخارجي لا القلبي محلَّ الحساب . وعلى أيِّ حال ، فالإكراه في المقام غير ممكن ، بل لا موضوع له ، ومن هنا يتولَّد إشكال مهمّ لم يتعرَّض له الأعلام ، وهو إذا كان موضوع الإكراه منتفياً فالحكم مثله ، وبالتالي إما أن تكون الآية لغواً في موردها أو أنها تقصد شيئاً آخر قابلًا للإكراه فيه ابتداءً ، وليس أمامنا سوى الشريعة ؟ وجوابه : هو أنَّ موضوع الحكم لم يتغيَّر ، فهو العقيدة وأُصول الدين ذات الارتباط الوثيق بالعمل الجوانحي ، وقد ورد النهي عن الإكراه فيه نظراً لوجود مناخ عامّ قاضٍ بإلزام الناس على المتابعة في العقيدة ، فالديانات السابقة لم تكن تمتلك ملامح واضحة حول الشريعة فضلًا عن افتراض وجود منظومة كاملة في ذلك ، وإنما الدين الإسلامي هو الأوّل على مرّ التأريخ جاء بمنظومة تشريعية تتكفّل برسم حركة الإنسان على مستوى العبادة والعمل ، وبالتالي فإنَّ المعهود والمرتكز في الأذهان هو الإلزام بما هو واضح ومُتوفّر ، ولم يكن كالعقائد ، سواء كانت حقَّة أم باطلة ، وقد صدق المثل السائر القائل : ( الناس على دين ملوكهم ) ، إن آمنوا آمنوا ، وإن كفروا كفروا ، وبالتالي فإنَّ